بوابة التميز | منتديات | العاب فلاش | صور | دليل المواقع | البرامج | الدروس | ادوات المصمم | المطبخ | قصص

مركز تحميل الصور

New Page 2
اسم المستخدم كلمة المرور

مجموعة قصصية " و حتى لا يستمر اللون الأحمر " بقلم / نور الدين محمد " N_o_u_r "

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 29-Nov-2007, 02:43 PM   #1
ام تريكة
مراقبة بوابات التميز الشبابيــة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2007
المشاركات: 10,604
ام تريكة is on a distinguished road
افتراضي مجموعة قصصية " و حتى لا يستمر اللون الأحمر " بقلم / نور الدين محمد " N_o_u_r "

و حتى لا يستمر اللون الأحمر



نظر إلى مرآة السيارة و كأنه يرى ملامح وجهه لأول مرة و يلمح شيئاً ما لم يعتده من قبل في عينيه، بدايات ثورة و دقات خافتة لطبول حرب على وشك البدء.أتجه بنظره إلى إشارة المرور الحمراء و تنهد بقوة ثم قال:
- يجب أن ينتهي كل شيء اليوم.
ثم نظر حوله ليجد السيارات و هي تقف أسيرة تلك الإشارة، و الأبواق العالية تخرج منها لتطالب بالمرور، و تطلع إلى ساعته و تأمل العقارب و هي تشير إلى العاشرة مساءً و رنين هاتفه المحمول لا ينقطع أبداً منذ أكثر من ساعتين و هو يرفض أن يرد، ربما لأنه يعرف شخصية المتحدث، و ربما لأنه يعرف أيضاً ماذا يريد المتحدث منه.
نظر إلى مرآة السيارة من جديد و تأمل رابطة العنق الحمراء وهو الذي لم يكره لون في حياته مثلما كره اللون الأحمر، و لأن اليوم هو بداية الثورة على كل شيء فقد نزع رابطة العنق و ألقاها بقوة جانباً، ثم اكتست ملامحه بقسوة عجيبة و تأمل إشارة المرور من جديد و لونها الأحمر و أصدر قراره بهزيمتها، و اتجهت يداه إلى عجلة القيادة و انطلقت السيارة لتكسر أسر هذه الإشارة التي لم يكن لها ذنب سوى أن لونها الأحمر قد جعله أسير انتظار و هو الذي قد قرر أن يحطم كل أشكال الأسر هذا اليوم، و لم يأبه بأبواق الاستنكار و لا بقلم شرطي المرور و هو يسابق الوقت من أجل تسجيل رقم سيارته على الورقة، لم يهتم لأمر كل هذا، و ما بين رنين الهاتف المحمول و مؤشر السيارة الذي يعلن عن سرعة كبيرة و ما بين قطرات المطر التي بدأت تتساقط و تلك النسمات الباردة، وصل إلى بيته و نظر إليه و كأنه يتأمله لأول مرة أو و كأنه يريد أن يتأمله لآخر مرة.
خرج من باب السيارة و رفض أن يرتدي المعطف برغم برودة هذا الشتاء، أو ربما لم يكن الشتاء هو السبب في رفضه لارتداء هذا المعطف و ربما كانت بدايات الثورة التي وضعت نارها و بدأت أولى الخطوات هي السبب..!!، و لكنه أمسك برابطة العنق الحمراء و لا يعرف لماذا..؟؟ و أنطلق نحو شقته و صعد السلم بقوة على الرغم من وجود مصعد كهربائي و برغم وجود شقته في الدور التاسع إلا أنه صعد السلم في لحظة تمرد على كل شيء، ووصل إلى الشقة و بمجرد أن فتح الباب حتى وجد زوجته تجري إليه و دموع عيناها تتساقط و تحتضنه و كلامها يخرج منها مشوشاً بفعل الدموع، و لكنه لم يحضنها و لم يحاول حتى أن يهدئ من روعها، فهو يعلم جيداً أنها القصر الذي يريده أن ينهار أو أنها القيد الذي يريده أن يتحطم، حتى لو كانت قيداً حريرياً، لكنها كانت قيداً على أية حال، و جاء الوقت ليتحطم القيد و لتسقط جدران القصر التي ماتت خلفها كل أحلامه و رغبته في أن يعيش حياته كما يحلو له، يعرف جيداً أن زوجته لم تخطئ في حقه و لكنه أخطأ في حقها و في حق نفسه عندما تزوجها و هو لا يحبها نزولاً على رغبة والدته المريضة، أخطأ في حق زوجته عندما جعلها تصدق أنه يحبها و يحب كل ما تفعله و جعلها تصدق أنها تملك أحلامه و أنها أميرة حياته و ظل يبني لها قصور حب دون أن يدري أن هذه القصور سوف تتحول إلى سجنٍ يكبل قلبه بأغلال لا مفر منها إلا بهذه الثورة التي سوف تطيح بكل شيء و بأي شيء.
فك ذراعيها بهدوء من على عنقه و أبتعد إلى الوراء قليلا ً و حانت لحظة الحرب و بدأت الطبول تعلو و كل السبل يراها مهيأة لذلك و خصوصاً بعد أن توفت والدته و لم يعد هناك داعٍ لأن يستمر في تلك المسرحية الهزلية التي يجب أن تنتهي فصولها إلى الأبد، و سوف يخبرها بأنها كانت عظيمة و جميلة و لكن قلبه كان و مازال يتعلق بأخرى، و سوف يطلب منها الغفران لخطيئته في حقها لأنه لم يعد بوسعه أن يستمر و لن يستمر.
نظر إلى زوجته، تأمل عينيها و الدموع التي بدأت تهدأ، و قرر أخيراً أن يتحدث و أن يعلن ثورته.
" أبي " كلمة خرجت من طفلته الصغيرة التي لم تتجاوز الأربع سنوات و هي تجري إليه، و تفتح ذراعيها و كأنها طائر يقترب من بيته الدافئ.
حملها ثم طبع قبلة حانية على خدها الصغير الوردي، قبل أن يتنهد و يلقي بنفسه على أقرب مقعد و هو يحمل طفلته و ينظر إلى وجهها و براءة عينيها.
جلست زوجته على الأرض و وضعت وجهها على كفه ثم قالت:
- طلبتك عبر الهاتف المحمول عدة مرات و لم تجب، كنت خائفة عليك لدرجة كبيرة.
ثم نظرت إليه و سألته:
- اليوم بارد للغاية، لماذا لم تلبس معطفك الثقيل ..؟؟
لم يجبها و لم تنتظر هي إجابة لأنها قالت :
- كل عام و أنت بخير، اليوم هو عيد ميلادك .
ثم وقفت و واصلت حديثها :
- أغمض عينيك
أغمض عينيه و هو يري أن طبول الحرب تخفت رويداً رويداً إلى حد أنه لا يستطيع أن يسمعها بوضوح الآن.
فتح عينيه عندما أخبرته زوجته بذلك ليجد علبة أنيقة بها رابطة عنق حمراء، أبتسم و هو ينظر إليها قبل أن تقول زوجته:
- هل أعجبتك..؟؟ أعرف أنك تحب اللون الأحمر .
نظر إلي زوجته، تأمل ملامح وجهها و فرحتها الكبيرة ثم قال :
- طالما أنك تحبين هذا اللون فأنا أيضاً أحبه.
كان يعرف أن كلماته كاذبة، و كان يعرف أن أية ثورة سوف تموت عند صدق مشاعر زوجته و ضحكات طفلته الصغيرة، و لكنه لم يعرف بعد هل سيظل مصدر فرح لهم و قلبه يدق بالأحزان..؟ و هل سيستمر في لعب هذا الدور ..؟، أم سيأتي يوم ينتصر فيه لنفسه و تخرج ثورته للنور دون وضع اعتبار لأية ضحايا،
و حتى لا يستمر اللون الأحمر. ..
الأوراق قد تنمو بالخريف


أسرع البواب بفتح بوابة " الفيلا " الحديدية لتدخل منها السيارة السوداء الفاخرة و ما هي إلا لحظات حتى أسرع سائقها بفتح الباب ليخرج منها رجل و سيدة على درجة عالية من الأناقة، اتجها معاً إلى باب "الفيلا" ثم أخرج الرجل مفاتيحه و فتح الباب ليتجه وسط الظلام و بخطوات بطيئة إلى المقعد الكبير و يرتمي عليه، في حين أضاءت السيدة أنوار الردهة الكبيرة و همت بمناداة الخادمة إلا أن الرجل قاطعها و قال لها :
- رجاء دعي الفتاة تنام فنحن بعد الرابعة صباحاً.
وضعت حقيبتها الفخمة على المنضدة التي تتوسط الردهة الكبيرة و قالت :
- دائماً قلبك يرق للخدم.
رفع رأسه إليها و قال بصوت ممتزج بالحزن :
- ربما لأنني أنحدر منهم .
ردت بعصبية :
- " فؤاد "، ألم تمل من هذا الموضوع !؟، خمس و عشرون سنة من الزواج و لا تنسى !!!؟؟؟
أبتسم بمرارة و قال :
- ربما هو الشيء الوحيد الذي لم أنسه وسط كل شيء نسيته .
أدارت ظهرها له و همت بصعود السلم إلا أنه قال لها :
- الفرح انتهى، و جاء الوقت لنتحدث..!
التفتت و قالت بحدة :
- اسمع، لقد قلت لك فيما قبل أن نؤجل نقاشنا إلى ما بعد فرح ابنك خشية أن تفسد فرحته بتصرفاتك، لكني أرفض ما تريد أن تفعله و لا مجال للنقاش.
قام من مقعده و أقترب منها قليلاً و قال :
- دائماً لا مجال للنقاش، و لكن اليوم سوف أقول لك أنه يوجد مجال للنقاش.
ذهبت إلى وسط الردهة و قالت له و هي تعطيه ظهرها :
- حسناً، ماذا تريد أن تقول ؟ هل سترفض أن تأخذ القضية !؟
أجابها بهدوء ممتزج بالألم :
- و ماذا تريدين أن أفعل ؟؟
التفتت إليه و قالت :
- أتريد أن ترفض قضية لشخص مثل " صبحي " بيه، من المؤكد أنك مجنون .!
نظر إليها و تجاهل إهانتها و قال :
- أنت تعرفين جيداً أنه مذنب و يريد أن يلفق الاتهامات لشخص آخر ..!
اقتربت منه كثيراً و قالت :
- كم موكل ترافعت عنه و كان مذنب ؟؟ ما الأمر الآن ؟؟
كان يعرف أنها محقة، و كان يعرف أن شهرته كمحام كبير تعود إلى ارتباطه بشخصيات مثل "صبحي بيه" و غيره و كان يعرف أن معظم من ترافع عنهم كانوا مذنبين و بذكائه الحاد كان يستطيع أن يخرجهم من كل الأزمات.
قال لها بهدوء و هو يجلس على المقعد الكبير :
- أنت محقة تماماً فيما قلت، لكني الآن أريد أن أتوقف عن كل هذا .
ابتسمت ابتسامة خبيثة و قالت :
- تريد أن تتوقف .! من أجل من !!؟؟
أجابها :
- من أجل نفسي .
جلست على المقعد المقابل و وضعت قدم على الأخرى و قالت :
- لا ليس من أجلك بل من أجلها هي ؟؟ زوجة صديقك التي زارتك بالمكتب منذ عدة أيام و جعلت حالك يتبدل و تريد أن تهدم كل شيء، ألم تكن هذه المرأة هي حبك الأول ؟؟
تنهد بقوة و قال :
- حبي الأول..!! لقد نسيته وسط أشياء كثيرة نسيتها منذ أن اتخذت قرار محو نفسي بوجودك .
انتفضت من مقعدها و قالت بعصبية :
- وجودي في حياتك محا ملامح ذاتك.
أشارت بيدها إلى " الفيلا " و قالت :
- أكنت تحلم بأن تعيش في" فيلا " مثل هذه .!؟ ، أن تجلس على مقاعد مثل هذه .!؟، أن تركب سيارة مثل التي تركبها.!؟، أن تقيم فرح ابنك في أكبر فنادق البلد.!؟
وقف و قال بهدوء :
- نعم كنت أحلم بهذا و لم يكن هذا سيء، لكن المؤسف هو أن تحققت أحلامي.
ارتسمت علامات الدهشة على وجهها قبل أن تقول:
- من المؤسف أنك أصبحت " فؤاد " صاحب أكبر مكتب محاماة في مصر، و صاحب الاسم اللامع و زوج " شهيرة " هانم التي كان يتمناها كل أثرياء البلد و فضلتك أنت من دونهم.
أتجه بقوه إليها و أمسك ذراعيها بعنف و قال :
- أكملي كلامك، قولي، و أنت الشخص الفقير الذي تعرفت عليه في الجامعة صاحب الثياب القديمة و الحذاء البالي، أليس هذا ما تريدين أن تقوليه .
نزعت ذارعيها من يديه و قالت بضيق :
- ماذا تريد من كل هذا، و لماذا تأتي الآن لتثير هذه الضجة، ابنتك تزوجت من دبلوماسي و ابنك تزوج من ابنة سياسي كبير، و أنت مرشح لمجلس الشعب، ماذا تريد الآن؟؟
انهار على المقعد و قال و هو يقاوم الدموع :
- أريد أن استعيد نفسي .
قالت له :
- و كيف يمكن أن تستعيد نفسك.!؟ هل تريد أن تدافع عن صديقك و تقف في مواجهة " صبحي " بيه ، رئيس مجلس الإدارة و عضو مجلس الشعب .!؟
جلست على المقعد المقابل لمقعده و استكملت حديثها:
- " فؤاد " أفق حتى لا تضيع كل شيء في لحظة غباء.
رفع رأسه لها و قال :
- أنت تعرفين أن " صبحي " هو المذنب الحقيقي و أنه يريد أن يلقي بالتهمة على مجموعة من الموظفين البسطاء و من بينهم أعز أصدقائي.
وقفت و قالت بعصبية :
- هذا الشخص التافه ليس أعز أصدقائك، لقد كان صديق لك منذ خمسة و عشرين سنة و الآن هو موظف بسيط في شركة، و أنت أصدقاؤك من يديرون هذه الشركة و شركات أخرى .
ثم توجهت إلى مقعده و انحنت قليلاً حتى أصبح وجهها في مواجهة وجهه و أكملت حديثها :
- و أين كنت من صديقك طيلة الأعوام الماضية، أتريد أن تقول أن الصداقة تفجرت فجأة بداخلك.
نظر إليها و صمت قليلاً ثم قال :
- نعم تهت عن صداقتي، كما تهت عن أشياء كثيرة جميلة عرفتها في الماضي.
استدارت و قالت له و هي تعطيه ظهرها :
- و زيارة حبيبة القلب فجرت ينابيع الصداقة، أليس كذلك ؟؟
وقف و ابتعد صوب المنضدة التي تتوسط الردهة ثم استدار و قال لها :
- سؤال كنت أريد أن أسأله لك طيلة فترة زواجنا الطويلة، لماذا تزوجتني و أنت تعرفين أنني متعلق بأخرى ؟؟
لم تجب و ظهرت علامات الضيق على وجهها و هي تخرج من جيب معطفها الفرو علبة سجائر أنيقة .
اتجه إليها و أمسك ذراعها بهدوء و جذبها برفق لتواجهه ثم قال :
- أقول لك، حب تملك ليس أكثر، كنت تعرفين أن شخصاً لا قيمة له مثلي سوف يكون طوع أمرك.
ابتعدت عنه و صعدت أول درجتين من السلم ثم توقفت عندما قال بصوت عالٍ :
- لماذا تزوجتني ؟؟
استدارت و قالت بعصبية :
- و لماذا تزوجتني أنت، أجيبك أنا ..!! من أجل المال و من أجل طموحك الكبير، و من أجل أن تصبح من الأثرياء و لقد حققت لك كل هذا.
نظر إلى وجهها و تأمله بعمق دون أن يجيب، لأنه كان يعرف أنها تتحدث بالحق على الرغم من قسوة كلماتها، و بعد فترة صمت قليلة قال لها :
- هل تحبينني يا " شهيرة " .!؟.
أرتفع حاجبيها في دهشة و قالت بسخرية :
- أتأتي بعد كل هذا العمر لتسال هذا السؤال، أنت لم تسأله لي حتى في سنوات عمرنا الأولى .
قال لها :
- و لكني اسأله لك الآن.
تنهدت و هي تقترب منه ثم قالت :
- " فؤاد " أنا لا أكرهك و أعترف أنني تزوجتك من أجل ضمان زوج لا يتلاعب بي و بثروتي خصوصاً أنني الابنة الوحيدة لأبي و كنت أعرف أن بعد وفاته سوف يظهر الكثير من الأشخاص الذين يريدون نهب ثروتي، لذلك كنت أريد شخصاً لا خوف منه، يراعي ثروتي و آمن جانبه و كنت أنت هذا الشخص فلقد كنت طالباً متفوقاً في الكلية و تنبأ لك الجميع بمستقبل باهر و كنت أراقبك، و في السنة الأخيرة قررت أن تكون أنت من يشاركني حياتي.
ابتسم بأسى و قال لها:
- بل من يتبعك، لا من يشاركك حياتك.
تنهدت بضيق و قالت :
- أنا متعبة و أريد أن أنام، هل ستذهب لتنام أم ستجلس هنا.
نظر إليها ثم قال :
- أنا سأخرج الآن.
قالت بضيق :
- هل ستذهب إلى المكتب في هذا الوقت.
أجابها و صوته يختلط بالدموع :
- لا، بل سأذهب إلى ناس افتقدتهم طيلة أعوام كثيرة.
أمسكت بذراعيه و كأنها تريد أن تمنعه من التحرك و قالت بحدة:
- لا تفسد كل شيء بغبائك، لن تنجح في استعادة شيء تركته منذ سنوات طويلة.
قال و دمعة تسيل على خده:
- سأحاول حتى.
تبدلت لهجتها و خفت الحدة التي كانت تتحدث بها بعد أن أيقنت أنه يتحدث بجدية و قالت :
- " فؤاد " صديقك سوف يتم إيداعه السجن، و أنت لن تنجح في فعل شيء، و ستخسر كل شيء و تفتح جبهات من النار لن تستطيع أن تقف بمواجهتها.
قال لها و هو يمسك يديها برفق و كأنه يستعطفها :
- دعيني أحاول أن أستعيد نفسي.
جذبت يديها بقوة ثم قالت بحدة :
- و من أدراك أن صديقك برئ ، مرت أعوام كثيرة جداً حيث كل شيء يتبدل و يتغير و من الممكن أن يكون قد ...
قاطعها و هو يقول :
- هناك نوعية من الناس لا تشوهها الأيام بل تزيدها نقاء، لكنك دائماً وسط من يشوهون الأيام و من تشوهم الأيام.
استدار ثم انصرف و فتح باب " الفيلا " و هم بالخروج إلا أنه توقف عندما قالت له :
- سوف تفشل سواء كان صديقك بريئاً أم لا ، سوف تفشل و سوف تخسر كل شيء ، أسمعت سوف تخسر.
التفت إليها و قال :
- لقد عشت خمساً و عشرين سنة من عمري و أنا أخسر، فدعيني في الأيام القادمة أحاول أن أكسب أي شيء.
أغلق الباب خلفه و اتجه للخارج في حين ظلت " شهيرة " صامتة تماماً وسط الردهة الكبيرة.
العجوز و طعام العشاء


كانت عقارب الساعة القديمة تتابع معلنة قرب وصولها إلي تمام الثانية عشرة مساء، والهدوء ‏يسيطر على هذا المنزل الأثري وحزمة أشعة من أضواء المصابيح العتيقة تشق طريقها لتبدد القليل ‏من ظلمة المكان، و حتى هذا العصفور الصغير كان يستكين في قفصه مستمتعاً بهذا الهدوء، و ‏بينما كان كل شيء هادئ تماماً في هذا المنزل كانت الأمور تختلف في ذلك المطبخ الصغير و الذي ‏شغلته تلك العجوز و هي تحاول إنهاء كثير من الأعمال بينما تنظر للساعة القديمة كل دقيقتين تقريباً و ‏كأنها تخشى من ميعاد ما أو أن تخدعها العقارب و تتحرك في غفلة منها إلى حيث لا تريد، بعد أن ‏وهبت كل تركيزها لإعداد طعام العشاء و برغم سنها الكبير و الذي جاوز السبعين عاماً و الأمراض التي ‏تحتل أماكن كثيرة في جسدها و تعبث بها، و برغم تحذير الأطباء لها من مجرد بذل مجهود صغير، ‏و برغم حبات العرق الغزيز و التي بدأت تداهم وجهها و دقات الألم المتتابعة التي بدأت تنطلق في ‏أجزاء كثيرة من جسدها، برغم كل هذا كانت تصر على أن تُـُكمل طعام العشاء و وسط الإصرار، ‏غفلت عن متابعة الساعة القديمة و تسللت العقارب اللعينة رويداً رويداً وعبرت إلى ما تخشاه ‏العجوز، بل و تمادت فوق ذلك بكثير، و لكن العجوز لم تكن تحتاج إلى الساعة هذه المرة بعد أن ‏تعالت دقات الألم في الجسد و ضربت بقوة، عندها حاولت العجوز أن تتمالك نفسها و لكنها لم ‏تستطع و سقطت على الأرض و هي تحاول الإمساك بأي شيء و نظرت إلي الساعة و أيقنت أن ما ‏كانت تخشاه قد حدث، وأرادت أن تصرخ و أن يسمعها أي شخص ولكنها لم تقوى حتى على الصراخ و ‏بدأت رحلة أخري من الكفاح و هي الزحف إلى غرفة نومها و التي تبعد عنها عدة أمتار قليلة ‏لكنها رأت الغرفة على بعد أميال و هي تزحف و تزحف معها عقارب الساعة و يتردد صدى ‏الصرخات داخل صدر العجوز فينسج ألم كبير داخل الجسد الواهن، و يبدأ عدم الحراك يدب في ‏يدها اليسرى، لكنها و بكل ما تملك من قوة العجائز أطلقت يدها اليمني من أجل الوصول و بعد ‏صراع وصلت إلى باب غرفة النوم ورفعت رأسها و نظرت إلي هذا البرواز الخشبي العتيق و الذي ‏يحمل صورة الزوج و تذكرت في لحظات قصيرة رحلة كفاحها معه و كيف كان نعم الزوج الحنون ‏إلي أن توفى و ترك لها ابناً صغيراً جاء بعد سنوات عقم طويلة، لقد وهبت هذا الابن كل حياتها و ‏رفضت الزواج من أجله و عاشت له، ثم اتجهت بعينيها إلي تلك النافذة الصغيرة و تأملتها و تذكرت ‏كيف كانت تنتظر ابنها و هو عائد من المدرسة أو الجامعة و هي ترفض أن تتناول أي طعام إلا ‏عندما يأتي و تأكل معه و كم كان يتأخر عليها و يتركها وحيدة و يقسو أكثر عندما يرفض ‏مشاركتها الأكل و يذهب لينام و لا يحدثها إلا قليلاً. تلك النافذة التي وقفت فيها كثيراً خائفة على ‏ابنها الوحيد من مخاطر الزمن، ثم استدارت باتجاه هذه المنضدة الصغيرة المجاورة للسرير ‏ووجدت ما تبحث عنه، حبوب الدواء..!! أرادت أن تصل إليها أن تلمسها و بدأت رحلة زحف أخري ‏و عدم الحراك يبدأ في ضرب يدها اليمني و لكنها زحفت وارتفعت دقات الألم إلي أقصى درجاتها و ‏وصلت العجوز و رفعت يدها اليمني مستغلة ما بقي فيها من حياة و برغم رعشة اليد و تنهدات ‏الألم و صرخات الصمت أمسكت بها، و أخذتها إلي حضنها و لكنها لم تكن حبوب الدواء، بل ‏صورة ابنها الوحيد و كأنها أرادت أن تتلمسها لتخفف بها أوجاعها، و دموع عينيها تنهمر و هي ‏تتمنى أن يكون هنا الآن ليس من اجل أن يناولها الدواء و لكن من أجل أن تموت بين ذراعيه، ‏ووسط كل هذا رن جرس الهاتف و جاءها صوت ابنها الوحيد و هو يترك لها رسالة، جاءها عالياً ‏ضاحكاً و أصوات أصدقائه و صديقاته حوله تتعالى في مجون، جاء هذا الصوت ليخبرها أنه سوف ‏يتأخر كعادته عدة ساعات أخرى، و لكنها هذه المرة لم تسمع كلماته عبر الهاتف بعد أن استكان ‏الجسد إلي الأبد، في حين ظلت ضحكات الابن مع أصدقائه تتواصل و دقات الساعة تتابع و مازال ‏العصفور الصغير في قفصه يستمتع بالهدوء.
.
المذياع و الفستان الأزرق

اليوم هو أسعد أيام عمره، و لم لا ؟ و حلمه الرائع قد تحقق أخيراً، قد جاء الوقت ليري ما تمناه يوماً و قد تحول إلي واقع من الممكن أن يلمسه بيده و أن يتعايش معه في حياته بعد أن تعايش معه الآلاف المرات في خياله و علي الرغم من أن النوم قد خاصمه هذه الليلة...فلا يهم ... فهو علي موعد غداً مع حلمه الكبير و يمكنه أن يقضي ليلته في استعادة جزء من صفحات الذكريات. عندما توفي أبوه عامل اليومية و هو مازال صغيراً و اضطره هذا الأمر إلي أن يترك دراسته ليعمل و هو الطفل الذي لم يتجاوز عمره حينها العشر سنوات، و ما بين كل الأعمال قد تنقل وعلي كل أنواع الصبية قد تعرف إلا أنه لا ينسى ذلك الفتي المسمى " شعبان" زميله في أحد الورش الميكانيكية و الملقب بالشيطان لكثرة الجرائم التي تحققت علي يديه و كم من مرات قد أودع الإصلاحية إلا أنه كان دائم الهرب. و عند تلك النقطة توقف و قال لنفسه " ياه يا بدوي أنت هتقلب علي نفسك المواجع ليه" فهو لا يريد أن يفسد حلمه بهذه الذكريات الصعبة، ثم اتخذت عيناه اتجاهاً رسم علي شفتيه بسمة صافية حانية ... عندما نظر إلي ابنته التي لم تبلغ السادسة و هي نائمة و يبدو أن عينيه كانت تستطيع أن تأخذ كل الاتجاهات من موقعه هذا فشقته لا تتعدى كونها غرفه واحده و لكنها كانت قصراً له فزوجته هي ملكته و صغيرته قد أعطى لها لقب الأميرة وسوف يأخذ أميرته معه غداً. فهو أحلى أيامه ... و فجاءه تنبه إلي أن الصباح قد بدأ يتسلل إلي الخارج و أن الغد قد جاء، و يا لها من سعادة قد غمرت وجهه و كأنه طفلٌ أنتظر أول أيام العيد ليعانقه، أنتفض من مكانه و أيقظ زوجته و ابنته و أصبح العمل يجري علي قدمٍ و ساق استعداداً لذلك الحدث الهام،عملٌ يجري وسط الغناء و الضحكات الصافية و بعد أقل من ساعة كانت خطواته ترافق خطوات الصغيرة معاً إلي حلمه الكبير و لم ينس أن يُلقي بالتحية لكل من قابله في الشارع الضيق الوعر الذي يسكن به بهذه الحارة المتهالكة المباني المتلاصقة جنباً إلي جنب و كأنها تـأخذ من تجاورها و تلاصقها قوة تواجه بها هذا الزمن الرديء. كان كلما ألقى عليه أحد التحية أو ألقى هو التحية علي أحد يؤكد لنفسه أنه سوف يستطيع أن يسدد ما أقترضه منهم، فالعشرين جنيها التي اقترضها من هذا البائع الطيب لعلاج زوجته منذ فتره ستعود والخمس جنيهات و التي أخذها من ذلك الصديق الوفي لشراء بعض الأدوات المدرسية لأبنته أيضا ستعود ...صحيح أنه لم يحدث وطالبه أحد أبداً بهذه الأموال و لكنه سيعيدها بعد أن أضحى حلمه حقيقة ... و ما أجمل هؤلاء الجيران فلم يقس عليه أحد منهم لمعرفتهم بظروفه الصعبة .و لكنه سيسدد اليوم و سيشتري المذياع أخيراً لزوجته ليكون أول جهاز كهربائي يدخل بيته..عفواً غرفته.. و الفستان الأزرق أمنية ابنته، ستتحقق كل أحلامه اليوم. تنهدة قوية خرجت من صدره و هو ينظر إلي ابنته الصغيرة، أميرته التي أصرعلى أن تصبح طالبة ورفض فكرة أن تعمل من أجل مساعدته. ها هي الحافلة قادمة، نعم لن يسير اليوم فأميرته بصحبته و لها حق التميز، و ما بين الزحام و الأصوات العالية وصلت الحافلة إلي مقصده فنزل وهو يهم أن يعانق حلمه الجميل و أن يأخذه بين يديه كعاشقٍ اشتاق إلي حبيبته. و لكن كل أحاسيس العاشق تجمدت فجاءه وتوقفت خطاه عن السير فهو لا يصدق ما يحدث إلا بعد أن تلقاه احد الباعة الجائلين ليخبره بأن صاحب المقهى الفخم و المقابل لكشكه الصغير قد استغل نفوذه لإزالة هذا الحلم. تجمدت خطاه و تحجرت الدموع في عينيه و استطاع أخيراً أن يجر ما تبقي له من خطا إلي ما تبقي من ذلك الحلم وهو يري واحد من أصحاب الزي الأبيض و الذي يحمل صفه أمنيه يركل ما تبقي من ذلك الأمل و عندها أرتمي علي بقايا حلمه و كأنه يريد أن يحمي قدسيتها من قسوة الحذاء الغليظ، و لكن صفعة قويه من صاحب هذا الزي كانت كفيله بإحباط محاولته، صفعة أخرجت من الأميرة الصغيرة صرخة حملت كل معاني الخوف و الرعب والرفض للظلم نسيج مشاعر يعجز أن ينسجه حتى أعظم الشعراء و تقف فرشاة أمهر الرسامين عاجزةً عن تصويره و بدأت صفعه أخري تأخذ طريقها لوجهه في حين أمسكت الطفلة الصغيرة حجراً و أطلقته نحو ذلك الشخص و بالرغم من أن الحجر لم يصل إلي مراده و لكنها أرادت حماية أبيها من الصفعة الثانية و التي وصلت إلي هدفها، جرت الطفلة إلي أبيها و ألقت بنفسها بين أحضانه و كأنها تريد حمايته و كأنه أرادها بين ذراعيه ليطلق عينيه للدموع وسط ضحكه انطلقت من صاحب المقهى و هو داخل سيارته الفخمة .
خمسة اشهر بعد هذه الحادثة .... أعلنت قوات الأمن عن كفاءة رجالها البواسل ....!!! في القبض علي عصابة للتهريب و كانت من بين الأسماء المعلنة أسماء ...شعبان و بدوي..

.

مصيلحي و الباشا الوزير


مر " سيد " من على الغيط في وقت الظهيرة و هو يقفز فرحاً و يقول بصوت عالي :
- الوزير جاي يا بلد، الوزير جاي يا بلد
كان بالغيط " مصيلحي " بن الحاج " دسوقي " و " على " بن الحاج " إبراهيم " الذي قال :
- الوله أتهبل، وزير ايه اللي هيجي البلد دي.
سمعه " سيد " فتوقف و قال له غاضباً :
- و أنت مالك يا أبن فكيهة، أيوه الوزير جاي.
علي :
- أنت كداب يا سيد
رد " سيد " بضيق :
- و الربعة الشريفة الوزير جاي، أبويا الحاج دسوقي شافه في التلافزيون، على قناة خواجاتي، كلمه علطول و قاله لازمن ييجي.
نظر " على " إلى " مصيلحي " و قال بضحك :
- أبوك فتاش أوي يا مصيلحي.
ظهر الضيق على وجه " مصيلحي " و قال بغضب شديد:
- اسمع يا واد يا علي، أنا ما جبتش سيرة أبوك يبقى ما تجبش سيرة أبويا
علي :
- أنا محقوقلك، و يدهسني قطر إن لساني جه على لسانك بعد كده...
اتجه " علي " صوب البساط الموجود بطرف الغيط غاضباً و لكن " مصيلحي " قال :
- حدانا عزيق يا علي، و بلاش ندخل أبو جنيه على أبو أربعه .
عاد " علي " و هو متضايق و لكنه كان يعمل متجنباً محادثة " مصليحي " و فجأة ظهر شبح امرأة من بعيد تأتي مسرعة و هي تقول :
- أنت يا واد يا مصيلحي، سامعني يا وله ...
نظر " مصيلحي " فرأى " ست الدار " بائعة الجبنة القريش فقال لها :
- خير ان شالله يا أم عبد الباسط.
قالت " ست الدار " بغضب :
- فِذ يا واد من مطرحك، و تعالى ريحي ...عايزاك.
ضحك " علي " و قال :
- و عندك واحد زبيب عشان الليلة صباحي، ماشي يا عم و بتاعة الجبنة كمان ...
تحرك " مصيلحي " صوب " ست الدار " و هو يحمل فأسه و قال لها :
- عايزه ايه يا وليه
ست الدار:
- صحيح يا وله اللي داير في الكفر ده
مصيلحي :
- و ايه اللي داير في الكفر يا وليه.
ست الدار :
- بيقولوا أن أبوك شاف الوزير في التلافزيون على قناة خواجاتي، و كلمه ... و قاله على الحال المايل بتاع البلد قام الوزير قاله و لا يهمك يا حاج دسوقي، من النجمة أكون حداكم.
قال لها " مصيلحي " و هو يشهر فأسه في وجهها:
- يا وليه أشق راسك بالفاس، أبويا كلم الوزير في التليفزيون ... أنتي أتهبلتي يا وليه ..أنجري جتك خابط .
مصمصت " ست الدار " شفتيها و قالت :
- أنتو كده يا ولاد دسوقي، ما منكوش نفع .
رحلت " ست الدار " و توقف " مصيلحي " للحظات تم استدار صوب " علي "و قال له :
- واد يا علي، خمسة كده و أكون عندك .
ذهب " مصيلحي " بسرعة و هو لا يأبه بسخط " علي " في الحقل لأنه كان يريد أن يتأكد من هذا الخبر و لذلك أخذ بلغته و ارتدى جلبابه و توجه صوب داره و في الطريق قابل الحلاق " إسماعيل " الذي قفز فرحاً فور رؤية " مصيلحي " و قال له :
- تصدق بأيه، أنا كنت هشيعلك الواد محمد أبني عشان عايزك
مصيلحي :
- و عايزني في ايه بقى يا حلاق الغبرة.
إسماعيل :
- موضوع الوزير يا وله
مصيلحي :
- أنت كمان بينك أتهبلت
ابتسم " إسماعيل " بخبث و قال :
- حقك يا بن الأكابر، شوف أنا ودبت الصالون بتاعي و طلعت المكوه دي اللي هي بتفرد الشعر و خليته ألاسطه عشان لما الوزير يشرف، ما يسلمش الأمر برده من أنه ياخد دقنه ياخد شعره.
قال " مصيلحي " بحدة:
- خدك ربنا يا بعيد، و هو الوزير لما ييجي هيحلق عندك أنت يا حلاق الحمير.
أنتفض " إسماعيل " و قال:
- شفت أنت قلتها بعضمة لسانك، الوزير جاي أهو، يعني الخبر صحيح.
تركه " مصيلحي " و هو يضرب كف على كف و ما كاد يمشي خطوتين حتى وجد " صابر " على جاموسته و بمجرد أن رآه " صابر " حتى نزل من على الجاموسة و قال له :
- هنيالك يا واد يا مصيلحي، الوزير جاي و هياكل في داركم ... ما بدكش ركوبة لحد الدار
لم يرد " مصيلحي " و واصل طريقه و فجأة وجد يد قوية خبطته من الوراء على كتفه و صوت أجش يقول:
- واد يا مصيلحي، أنت هتقابل الوزير بجلخك ده .
التفت " مصيلحي " فوجد صديقه " أحمد " صاحب البنيان القوي و الصوت الأجش فقال له :
- يلهفك قطر يا ابن هنومة هو أنا حمل ضربة من أيدك يا أحمد
مسح " أحمد " كتف " مصيلحي " و قال له :
- هو في حد في الكفر عاد يقدر يبم في وشك، أنا بس عايز منك حاجة
مصيلحي :
- عايز ايه يا أحمد ؟ أوعى تكون هتتكلم عن موضوع الوزير، ده كله كلام نسوان.
أحمد :
- سبني بس يا مصيلحي أقول على اللي نفسي فيه
مصيلحي :
- قول
أحمد :
- هو مش الوزير بيبقى حداه فتوات عشان لو حد كلمه يقوموا يسكوه على قفاه، أنا بقى عايز أكون واحد من فتواته.
مصيلحي :
- يسكك واحد مجذوم على قفاك يا نتن، هو الوزير يا وله لما ييجي مستني فلاح زيك ياخده فتوة ليه.
أحمد :
- يعني الوزير جاي أهو، أمال بتقول ليه مش جاي، أنت صاحب أنت ..
أنصرف " أحمد " و هو ساخط على صديقه بينما أنصرف " مصيلحي " هو يضرب كف على كف و أخذ طريق مختصر إلى بيته عله يصل سريعاً و لكنه قابل " مرزوق " الذي توجه إليه مسرعاً و قال :
- واد يا مصيلحي، وزير مين اللي جي يا وله ...
ضحك " مصيلحي " و قال :
- ايوه كده يا مرزوق، خليك أنت عاقل ... صحيح وزير مين اللي جاي
قال " مرزوق " بحدة :
- يا واد أنا أقصد وزير الداخلية و لا وزير الأمن القومي .
لم يرد " مصيلحي " و ترك " مرزوق " و واصل رحلته صوب بيته و لكنه سمع صوت ناعم من شباك دار قريب يقول :
- سي مصيلحي
التفت " مصيلحي " إلى الصوت فوجده صوت " عنايات " تلك المرأة اللعوب التي توفى زوجها قبل عامين فقال لها:
- عايزه إيه يا أم فتحي .
عنايات :
- يا سي مصيلحي قرب حدايا، عايزاك في حاجة
مصيلحي :
عايزه ايه يا وليه
عنايات :
- عايزاك تعدلي الصينية اللي فوق الدار و تجبلي القناة الخواجاتي اللي أبوك لقى الوزير فيها و كلمه و قاله على حال البلد .
مصيلحي :
- وزير إيه يا وليه، أنت بتصدقي الكلام ده .
عنايات :
يا واد تعالى بس، هو أبوك بس اللي يكلم الوزير أنا عايزه أقول للوزير على الهم اللي شفته من العمدة بعد ما الراجل مات ... الراجل ده بصباص يا وله .
مصيلحي :
- تقصدي الوزير بصباص.
عنايات :
- وزير إيه، أنا أقصد العمدة يا وله.
مصيلحي:
يا وليه أنتي اللي شكلك كده استغفر الله العظيم، ده الوزير لو شافك يفتكرك غازية من المولد، ده أنتي عديت الخسمين و لسه بتحطي أيشي اصفر و أيشي أخضر.
قالت بضيق و هي تغلق الشباك بقوة:
- خمسين عقربة نتايه لما يلدغوك يا أبن هنية .
توجه بسرعة صوب الدار و هو يسرع الخطى حتى لا يستوقفه أحد و أخيراً وصل إلى الدار و رأى شقيقته و هي تطلق الزغاريد و تقوم بتحضير الشربات الأحمر و هنا همس لها فجاءت له مسرعة و هي تقول :
- هنيالك يا أخويا، الوزير جاي الدار و الدبايح هتشتغل و كله من عند كُبارات البلد .
رد عليها :
- فين ابوكي با بت .
قالت :
- بيلبس جوه عشان الوزير .
دخل " مصيلحي " الدار و وجد والده فقال له :
- إيه حكاية الوزير دي ...
ضحك الحاج دسوقي و هو يقول :
- فيه إيه يا واد يا مصيلحي ايوه أنا كلمت الوزير و جاي البلد.
مصيلحي :
بالذمة و الأمانة أنت كلمت وزير أنت .
الحاج دسوقي :
- أيوه كان موجود على قناة خواجاتي رحت مكلمه في التلافون .
مصيلحي :
- و أنت بتعرف كلام خواجاتي
الحاج دسوقي:
- كانوا مترجمين الكلام بالعربي.
مصيلحي :
- و أنت بتعرف تقرا...
قال الحاج دسوقي و هو يخرج من الغرفة بعد أن ارتدى أفضل ما عنده :
- وسع كده ...ابني أنت و لا أبويا ... أما مصيبة ...هتحقق معايا
كان " مصيلحي " يعرف أن أبوه فشار و دائماً ما أطلق الكذب حتى يحيط نفسه بهالة من البريق و اللمعان، و لكنه تمادى جداً هذه المرة و لن يكون الوزير سوى شخص من البندر يشغل منصب حكومي عادي و هنا توجه " مصيلحي " إلى الغيط و تجاهل كل من كلمه و هو يتصور فكرة أن يكتشف شخص ما موضوع الوزير المزيف و خصوصاً من شباب القرية المتعلمين و تخيل صفعة من يد " أحمد " أو شتائم من " ست الدار " أو ربما يطلق " صابر " جاموسته عليه ، و ظل " مصيلحي " لأكثر من ساعتين تحت الشجرة بالغيط لا يستمع إلى كلام صديقه "علي" و لكن يد قوية ضربته على كتفه و صوت أجش من وراءه قال :
- انت فين يا واد يا مصيلحي.
نظر " مصيلحي " فوجد صديقه " أحمد " و تصور أن ضربة قوية ستنزل عليه الآن و لكن " أحمد " قال له :
- شفت الخبر.
مصيلحي :
- خبر إيه.
أحمد :
- مش الوزارة أتغيرت.
مصيلحي :
- و أبويا برده اللي قال كده .
أحمد:
لا يا وله، ده العمدة عرف الخبر من التلافزيون.
أحتضن " مصيلحي " صديقه " أحمد " بشدة و هو يرى في هذه المسالة القدرية إنقاذ له و لأبيه و عليه فلن يأتي الوزير و لن يعيب احد على والده و لكنه ذُهل عندما قال له " أحمد ":
- بس لي عندك طلب .
مصيلحي :
- طلب ايه ما هو الوزير مش جاي لأنه ما عادش وزير.
أحمد:
- ما تبطل اللؤم ده.
مصيلحي :
- لؤم ايه .
أحمد:
- يعني ما نتش عارف.
مصيلحي :
- عارف ايه أنا ....
لم يكمل " مصيلحي " كلامه و أصابه نوع من الصمت الممتزج بالذهول عندما رأى " سيد " يقفز فرحاً صوب الغيط و هو يقول :
- هياخدوا الحاج دسوقي في الوزارة الجديدة يا بلد ... هياخدوا الحاج دسوقي في الوزارة الجديدة يا بلد



.
من أجل رؤية أوضح


لم يمنعه الطقس السيئ من أن يقف في شرفة منزله الفخم يتأمل السماء الداكنة ويستقبل حبات المطر الغزير على كفيه، و تتلقى عدسات النظارة الطبية التي يلبسها بعضاً من هذه الحبات لتفقد معها بريقها رويداً رويداً، و ينتقل ببصره إلي ذلك المبنى العتيق المواجه لمنزله و الذي تساءل يوماً عن ماهية نفوس من يأتي إلي هذا المبنى ليشارك هؤلاء الأطفال الصغار وحشة وحدتهم وكان يقول أن لمسة حنان لا يمكن أن تعوضهم و لو قليلاً فقدان الأهل .!؟، رؤية.. رآها دوماً أوضح..! و صارت واحدة من مئات الرؤى التي تراكمت بداخله و منذ إدراكه للحياة و حتى بعد أن ساقته أيام الغربة في مدارها الأحمق لسنواتٍ طويلة وأنسته أنه يملك حياة و سكبت جنون السعي علي الأموال داخل نفسه المظلمة فراح يلهث وراء ظمأ لا ينتهي ، مزيج من التعبيرات المختلطة المشاعر ترتسم علي وجهه و التي لم يعتدها من قبل، لدرجة أنه خشي من أن ينظر إلي المرآة فلا يعرف ملامحه و يتوه رسمه بعينيه، وهذا اليوم ليس كبقية الأيام و لكنه أهم يوم في حياته، أو هكذا كانت رؤيته الواضحة لتلك الليلة.

لا يعرف ما الذي دفع تلك الصفحات من دفتر الماضي القديم إلي الظهور ، بعد أن دفع هو الدفتر بكل ما فيه إلي الوراء، وكان يظن أن رؤاه الأوضح تكفي لأن يعرف حقيقة الأحداث التي طوتها الصفحات بين سطورها، وعبر امتداد الأحرف الكثيرة.

لا يعرف ما الذي دفعه اليوم إلي هذا الطريق أو ما الذي دفع الطريق إلي أقدامه، ليلتقي بها ليرى وجهها من جديد بعد كل هذه السنوات الطويلة، لم تتغير و لم تتبدل ولم يصبغ عليها الزمن ألوانه القاتمة، و مازالت ابتسامتها البراقة تشع منها فتنير أروقة المكان وتبعث الدفء في النفوس الحائرة. كما هي كعهده بها و لكنها ليست بمفردها كما تمنى أن يراها بل بصحبة طفلين في غاية الجمال و البراءة ..و...!! نعم أنه هو..!! يعرفه جيداً أنه أحد الزملاء بالجامعة ولكن لماذا اختارت هذا الرجل ..!! لم يكن ثرياً و لم يكن متفوقاً بأي شيء ..!! فلماذا ...!!!؟ تردد هذا السؤال داخل نفسه وهو يسابق خطواته في الوصول إليها قبل أن تتواري بين الحشد الكبير و أخيراً وصل إلي مقصده، و نظر إليها و نظرت إليه، وكأنهما يسترجعا معاً ما مضى من ذكريات مر عليها أكثر من خمسة عشر عاماً..!! ومابين ترحيب الصديق سابقاً والزوج حالياً و ما بين مداعبة الأطفال كانت لغة العيون تتحدث ..!! و لا يعرف هل كان حظه طيب أم عاثر عندما أعلن رنين الهاتف النقال للزوج عن نفسه ليبعده خطوات قليلة و لكنها كانت كافيه ليضع سؤال واحد و هو " لماذا ؟" وكانت إجابتها " كنت أريد حناناً يحتويني و طمأنينة أرتاح في ظلها فتحميني من لهيب الأيام وقسوتها و لم أكن أريد أية أموال و لكنك لم تفهم هذا أبداً و مشيت وراء رؤاك الأوضح ...". تفجرت الثورة و أعلن البركان عصيانه و لفظ كل حمم الرؤى لتشعل هذا الفضاء الشاسع المظلم بداخله، حتى بعد أن رحل الجميع ظل هو أسير تلك اللحظات لا تفارق مخيلته ..!!

" سيدي " كلمة خرجت من مدير أعماله لتخرجه من صمته، فيلتفت إلي الوراء ليجد جميع مساعدي العمل يقفون معاً وعلي وجههم ارتسمت علامات القلق و الخوف و الترقب، قبل أن يكمل مدير أعماله حديثه و يقول" عفواً سيدي، حدث خطأ ولن يصل الوفد اليوم و هذا خطأي و أنا مستعد لتحمله فلقد كانت رؤيتي خاطئة منذ البداية ". أنتظر الجميع ثورة الغضب المعتادة وعنقوداً من كلمات اللوم المكررة وسيلاً من عبارات التوبيخ القاسية، لكنه رفع رأسه إليهم و لأول مرة يسمح لدمعة صغيرة أن تدور في فلك مقلتيه، وقال " أخي من منا لم يخطئ في رؤية كان يؤمن بها و كان يراها صحيحة و لكن أنظر إلي النور الذي ينبعث دائماً وسط الظلمة ليخفف وطأتها أنها رحمة الله أخي هو وحده الذي لا يخطئ في رؤيته فلا تحزن ".و ما بين علامات الاندهاش و التعجب و الصمت ووسط حالة السكون سأله أحد الحضور " ماذا تقصد بالنور سيدي " لكنه لم يجب فلم يعرف حقاً هل قصد نوراً روحانياً بعث الدفء أخيراً إلي النفس الحائرة و بدد ظلمة روحه أم أنه قصد هذا النور الذي انعكس علي عدسات النظارة المليئة بحبات المطر والقادم من المبني العتيق . لا يعرف..!!.و لكنه كان يعرف شيئاً واحداً و هو أن يتجه إلي هذا المبنى ليميت كل حمم الرؤى المشوهة بلمسات الحب و ضحكات البراءة، ..... و كانت هذه هي حقاً .....الرؤية الأوضح ....
ام تريكة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 30-Nov-2007, 02:20 AM   #2
كبرياء
متميز مبدع
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
المشاركات: 8,518
كبرياء is on a distinguished road
افتراضي

ممكن تكون فيلم ناجح يا بحر العطاء

تحياتي لك يا قمر
__________________
سنبقى ..

وحين يعود الربيع

يعود شذانا وأوراقنا

إذا يذكر الورد في مجلس

مع الورد .. تذكر أخبارنا



كبرياء غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 30-Nov-2007, 11:08 AM   #3
ام تريكة
مراقبة بوابات التميز الشبابيــة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2007
المشاركات: 10,604
ام تريكة is on a distinguished road
افتراضي

هههههههههههههههههههههه

ممكن برده
يلا تردي تاخذي بطولته
ام تريكة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-Dec-2007, 05:05 PM   #4
أميرة الهدى
اداريه سابقه
 
الصورة الرمزية أميرة الهدى
 
تاريخ التسجيل: Aug 2007
المشاركات: 4,033
أميرة الهدى is on a distinguished road
افتراضي

مشكووووووووووووووووووووووووووووووووووووووره على الموضوع
أميرة الهدى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-Dec-2007, 03:11 PM   #5
ام تريكة
مراقبة بوابات التميز الشبابيــة
 
تاريخ التسجيل: Aug 2007
المشاركات: 10,604
ام تريكة is on a distinguished road
افتراضي

شكرا علي المرور

الله يرحمك يا سارة
ام تريكة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة
الانتقال السريع

New Page 1

للعلم منتديات بوابة التميز رسميه ومرخصة بترخيص مدى الحياة ... المشاركات والمواضيع تمثل أراء أصحابها ولا تمثل رأي إدارة البوابة

Real estate-  Lawyer - attorney- Ask a Lawyer Online Now Free lawyer -umbrella company incorporating   - engineer - Jobs  - Building materials company -   Petroleum Company  - Real estate  - Lawyer - attorney   - car hire  - العاب اكشن- soft -- software - free software - online software - design - free -

 


الساعة الآن 06:28 PM.


Powered by vBulletin®, Copyright ©2000 - 2008
BoxLink.NET
Search Engine Optimization by vBSEO 3.2.0

Designed By :

 جميع الحقوق محفوطة