قبل الحديث عن الفتح العربي الاسلامي للاندلس لابد ان نعطي لمحة قليلة عن جغرافية الاندلس ومن سكن فيها من الاقوام المختلفة وعن احوالهم. وضح الجغرافيون حدود الأندلس والتي تعرف باسم ايبارية وتشمل إسبانيا والبرتغال وتقع في الجنوب الغربي من أوربا وتحدها البحار من جميع جهاتها ماعدا الجزء الشمالي ,فيحدها البحر الشامي (المتوسط) من الشرق والجنوب ,ومن الغرب بحر الظلمات (المحيط الأطلسي) ويفصل اسبانيا عن فرنسا شمالا شريط حدودي من السلاسل الجبلية . وهي بلاد جبلية تضم العديد من الوديان والأحواض النهرية مثل نهر الابرو ، ونهر المنهو ونهر دويرة ونهر تاجة ووادي انه والوادي الكبير ,ويكَون السهل معظم شبة الجزيرة الأيبيرية. ويتميز مناخها بالاعتدال إذ تأخذ درجة الحرارة بالانخفاض كلما اتجهنا شمالا وتكون الأمطار الشتوية وتتميز بكثرة الثروات المعدنية ووفرة أنتاجها الزراعي وازدهار تجارتها. ينقسم الجزء الشمالي منها الى مناطق ثغور ، والتي تقع بين جبل وبحر ومن هذه الثغور : ألثغر الأعلى (الأقصى) وتكون قاعدته مدينة سرقسطة . الثغر الأوسط وتكون قاعدته مدينة طليطلة ومدينة سالم الثغر الأدنى (الأسفل) وتكون قاعدته مدينة قوريا . إما عن تسميتها,فقد كانت تسمى بـ(ايبارية) وعندما حكم الرومان أطلقوا عليها اسم (هصبانية) ومن هنا جاءت اللفظة العربية (اشبانيا) أو (اصبانيا) لتتحول هذه اللفظة في العصور الوسطى إلى اسم (إسبانيا) وعندما جاء العرب المسلمين أطلقوا تسمية الأندلس على المناطق التي حكمها المسلمين. أما عن أصول كلمة الاندلس فهي ترجع الى أراء عديدة منها : الرأي الأول يذكر ان أصل اللفظة نسبة الى أندلس بن يافث بن نوح (ع) وهو أول من عمر هذه الأرض فسميت باسمه . الرأي الثاني يشير الى ان هناك أقوام سكنت الجزيرة بعد الطوفان وكان ملكهم اسمه اندلش فسميت الجزيرة بأسمه .ثم عربت بعد الفتح الى الاندلس وقيل أيضا هذه التسمية نسبة الى ملك اسمه انجش بن أشبان . الرأي الثالث يقول ان أصل الكلمة يونانية تحت اسم اشبانيا ثم سميت أباريا . الرأي الرابع : ان سبب هذه التسمية يعود الى قبائل الوندال الذين أطلقوا عليها اسم ماندليسيا أي بمعنى السكان القدماء لشبه الجزيرة الأيبيرية. الأقوام التي سكنت جزيرة الاندلس اسبانيا قبل الفتح العربي الإسلامي. تعاقبت العديد من الأقوام على السكن في شبه جزيرة الاندلس (اسبانيا) من جهات مختلفة,وذلك بسبب أنتاجها الزراعي وثروتها المعدنية.ويعتقد ان أول من سكن الاندلس بعد الطوفان أقوام يعرفون بـ(الاندلش)ثم سميت الاندلس باسمهم ,وجاءت هجرة الأفارقة إذ أجلاهم ملكهم لقحط حل ببلادهم ,ونصبوا من أنفسهم ملوكا على البلاد وسموا بالايبيريون الذين أصبحوا أساس جنس البحر المتوسط ,وعبرت بعد ذلك الأقوام الهنداوربية والكلت من جبال ألبرت الذين استطاعوا الانتصار على الأفارقة وأصبح الملك لهم,وبعد فترة تعرضت الاندلس لهجرة جديدة هي هجرة الفينيقيون الذين أسسوا مستعمرات على السواحل الشرقية والجنوبية للجزيرة . وعلى اثر ذلك حدثت الصراعات عديدة بين هذه الأقوام من اجل السيادة والتفوق في الجزيرة,فاستغل الرومان هذه الصراعات واستطاعوا السيطرة على اسبانيا,واخضعوا سكانها الأصلين واكسبوهم الصبغة الرومانية.الا ان بعد فترة من الزمن ضعفت الإمبراطورية الرومانية إذ انقسمت إلى شرقية وغربية سنة 395م وكثرة فيها الفتن والانقسامات وعلى اثر ذلك تمكنت قبائل الوندال من السيطرة على اسبانيا وهي قبائل جرمانية يتميزون بالوحشية والقسوة وتميز حكمهم بالفوضى والاضطرابات في كافة الأمور السياسية و المعاشية. غير ان الوضع لم يستقر لهم ,حيث دخل القوط الغربيون البلاد في أواخر القرن الخامس الميلادي إذ تعاونوا مع الرومانيين في الضغط على الوندال وتمكنوا من الانتصار عليهم وأدى ذلك إلى عبورهم إلى المغرب وتأسيس دولة فيها. وسوف يكون التركيز على أخر دولة حكمت اسبانيا قبل الفتح العربي وهي دولة القوط الغربيون . ملامح السياسية لدولة القوط : يعرف القوط على أنهم قبائل جرمانية الأصل نزحت في القرن الرابع الميلادي بقيادة ملكهم الاريك متوجهين الى المدن الرومانية بسبب زيادة السكان وقلة الإنتاج الزراعي فضلا عن إعجابهم بالمدنية الرومانية فاستولى على جزيرة اليونان وايطاليا ثم جاء من بعده الملك اطاوولف الذي سيطر على اسبانيا . وقد سيطروا على الاندلس في أواخر القرن الخامس الميلادي وكانت أعدادهم اقل من الرومان والأسبان سكان البلاد الأصليين إذ كان عددهم يقدر بين مائتي إلف واربعمئة إلف وسكان البلاد يقدر مابين ستة وتسعة ملايين . وامتازوا القوط بالتخريب والتدمير والوحشية والسلب والنهب .وتأخرت البلاد معاشياً حيث عم الجهل وانعدام الحرية والظلم والاستغلال والتخلف الاقتصادي وتسلط الكنيسة. أما نظام الحكم فكان نظاما ملكيا قائم على مبدأ الانتخاب من قبل رجال الدين وطبقة النبلاء .وتكون شروط اختيار الملك على أساس انه ينتمي لأصل قوطي وان يكون من طبقة النبلاء ويتمتع بأخلاق حسنة ولكن جرت العادة ان يتولى العرش أقوى هولاء بحد السيف , وتكون من واجباته قيادة الجيش وتعيين رجال الدين وعزلهم عن المناصب . وكان للملك مجلس من النبلاء لمساعدته في أدارة البلاد ,لكن الملوك استبدوا بالأمور ولم يعد لهذا المجلس أي ذكر.وكذلك كانت هناك مجالس كنيسة طليطلة قوة كبرى في الحياة السياسية والدينية وكانت هذه المجالس بمثابة جمعيات وطنية لمملكة القوط تجتمع بين الحين والآخر للنظر في مسائل الدولة الكبرى. ومن أشهر ملوك دولة القوط الملك اخيكا (687-702م) ثم جاء بعده ولده غيطشة (702-710م) وقد حدث في عهده عدة إصلاحات مثل أطلاق السجناء والسماح للمنفيين بالعودة الى اسبانيا وإرجاع الأموال والأملاك المصادرة إلا انه بعد مرور سبع سنوات من حكمه غير سياسته التي أغضبت الشعب الاسباني مثل إصداره قرار يسمح لرجال الدين بالزواج وسمح لليهود بالرجوع الى اسبانيا وممارستهم لشعائرهم الدينية بكل حرية بعد ان طردهم أبيه اخيكا واتبع أسلوب القتل والتعذيب والتنكيل والنفي للبارزين من الأسبان بالإضافة الى هدم الحصون والأسوار . وبعد وفاته أوصي بالعرش لابنه أخيلا ,لكن النبلاء لم يرق لهم ذلك لكونه كان صبيا فضلا الى عدائهم لأبيه ,وأصبح الصراع على أشده بين رجال الدين وطبقة النبلاء من اجل السيطرة على العرش وأخيرا اختار كبار القوط لوذريق ملكا عليهم و اختلفت المصادر حول أصله فقيل انه من طبقة النبلاء وقيل انه كان قائد وفارساً شجاع فسيطر على مقاليد الأمور وانفرد بالسلطة . أما من الناحية الدينية لاسبانيا قبل الفتح العربي الإسلامي فقد كانت الديانة المسيحية هي المنتشرة وقد كان القوط في بادئ الأمر على المذهب الاريوسي والذي يؤمن بطبيعة السيد المسيح البشرية ثم تحولوا الى المذهب الكاثوليكي في سنة 587 م وهو الغالب في البلاد وكان من نتائج هذا التحول على الوضع في اسبانيا هو الارتباط الوثيق للكنيسة بالبلاط الملكي فضلا على ذلك أصبحت اللغة اللاتينية هي اللغة الرسمية في اسبانيا . وشكل اليهود عنصرا مهما من عناصر السكان ويعود تاريخ استيطانهم زمن بعيد جداً,ولم يكن وضع اليهود في ضل حكم القوط حسناً إذ اصدر ضدهم عدد من ملوكهم العديد من التشريعات مثل عدم الزواج من المسيحيات أو اقتناء العبيد المسيحيين ,وكذلك أمر اليهود باعتناق المسيحية خلال عام واحد ,وقد يكون سبب اتخاذ هذه الإجراءات ضدهم بسبب ديانتهم أو بسبب تعاليهم على أصحاب الديانات الأخرى ,وانغلاقهم على أنفسهم ,واستغلالهم للغير من الناحية اقتصادية حيث كانوا يتميزون بالجشع ولاسيما أنهم يتميزون بأنهم يتعاملون بالربا ويحاولون السيطرة على اقتصاد البلاد,أو يكون لتأمرهم ألسياسيي اثر كبير في إصدار قوانين ضدهم . فضلا عن وجود عدد لأبأس به من السكان الوثنيين في شبه الجزيرة التي تعيش في منطقة الشمال الشرقي المتاخمة لجبال ألبرت مثل قبائل الباسك أو البشنكس منقول